آخر الأخبار

مجالس الصائمين في شهر رمضان

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

بقلم: د. عبد الفتاح أحمد أبو كيلة

أستاذ الفقه المساعد بجامعة الأزهر، وعضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد…

فإنه مما ينبغي على الصائم أن يتحراه أثناء صيامه: أن يحسن استغلال مجلسه مع الآخرين، وأن يحرص على جعله مجلسًا ربانيًّا؛ تتنزلُ عليه السكينة، وتحف به الملائكة، وتغشاه الرحمة؛ بغية أن يذكره الله – تعالى – فيمن عنده؛ فينال الثواب العظيم والأجر الكبير في الدنيا والآخرة ؛ لما روي عن النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» (مسلم : رقم 2700 )

ومما ينبغي أن يعلم: أن مجالس الذكر ليست مختصّة بالمجالس التي يُذكر فيها اسم الله – تعالى- بالتسبيح والتحميد والتكبير ونحو ذلك فقط، بل هي شاملة للمجالس التي يُذكر فيها أمره، ونهيه، وحلاله، وحرامه، وما يحبّه ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، بل ربما كان هذا الذكر أنفع من ذلك.

قال عطاء الخرساني: “مَجَالِسُ الذِّكْرِ, هِيَ مَجَالِسُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، كَيْفَ تَشْتَرِي وَتَبِيعُ, وَتُصَلِّي وَتَصُومُ, وَتُنْكَحُ وَتُطَلِّقُ, وَتَحُجُّ, وَأَشْبَاهُ هَذَا”.( الفقيه والمتفقه للبغدادي 1/ 94)

ورب صائم لم ينله من مجلسه مع الناس إلا نقصان أجره ، وضياع عمله ، وحرمان بدنه من الطعام والشراب؛ بسبب كلامه القبيح من السب، والشتم، والغيبة، والنميمة…كما قال رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: « رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنٍ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ » ( النسائي: رقم 3319)

وقد حذرنا النبي – صلى الله عليه وسلم – من ذلك؛ خوفًا من ضياع أجر الصيام ، وحرصًا على عمله وجهده؛ حين قال: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (البخاري: رقم 1903 )؛ أي فمن لم يدع قول الزُّور والعمل بِهِ الَّذِي هُوَ من أكبر الْكَبَائِر، وتلبس بما ينْهَى عنه الصَّائِم من الغيبة وجميع المعاصي؛ فإن الله –تعالى- لا يلتفت إلى صيامه ولا يهتم به.

فحري بكل صائم أن يستغل مجلسه مع الناس الاستغلال الأمثل الذي من شأنه أن يعلي قدره، ويرفع درجته، ويكثر من حسناته ويضاعف من أجره؛ فلا ينطق إلا بحق، ولا يتكلم إلا بصدق، فضلا عن اغتنام هذا المجلس في الإصلاح بين الناس، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك؛ كما قال تعالى: ” لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ” ( سورة النساء : الآية 114)، مع الحرص على الإكثار من ذكر الله – تعالى – والصلاة على رسوله الكريم – صلى الله عليه وسلم – حتى لا يكون مجلسه حسرة عليه يوم القيامة؛ لما ورد عن النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قوله: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا، ثُمَّ تَفَرَّقُوا قَبْلَ أَنْ يَذْكُرُوا اللَّهَ، وَيُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (مستدرك الحاكم: رقم 1810)

ومما تجد الإشارة إليه: أنه إذا ما أخطأ الصائم فزل لسانه، وخاض في أعراض الآخرين؛ فعليه التراجع فورًا عما قاله، والاستغفار عما بدر منه، والإكثار من قوله : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا، وَبِحَمْدِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ ثُمَّ أَتُوبُ إِلَيْكَ؛ حتى يفغر الله – تعالى – له ويتجاوز عنه؛ لما روي عن النبي – صلى الله عليه وسلم أنه قال: “مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا كَثُرَ لَغَطُهُمْ فِيهِ فَقَالَ قَائِلٌ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا، وَبِحَمْدِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ ثُمَّ أَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ” ( مستدرك الحاكم : رقم 1969 )

تقبل الله – تعالى – منا ومنكم الصيام، والقيام، وصالح الأعمال ، وكل عام وحضراتكم بخير.


الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock